[frame="2 10"]

النبي صلى الله عليه وسلم له وصف جسماني وله وصف معنوي وله صفاء قلبي وله سبح روحي وله تنزل قدسي وكل ذلك من أوصافه صلوات ربي وتسليماته عليه ، ونبدأ من ذلك بما تيسر من وصفه صلى الله عليه وسلم الحسي الجسدي ، مع أنه رُوي أن أغلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كثرة شخوصهم بين يديه وجلوسهم دائماً وأبداً مستمعين إليه ، إلا أنهم كانوا لا يستطيعون أن يُثبتوا أبصارهم في وجهه الشريف وينظروا إليه


وناهيك في هذا المقام حتى الأبطال والصناديد والقادة في ميادين القتال الشداد ومنهم عمرو بن العاص رضي الله عنه فعندما حضرته المنية أخذ يبكي خوفاً من سوء الخاتمة ، فقال له ابنه عبد الله وكان من العابدين: يا أبتاه مم تخاف؟ يكفيك أنك صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وتمتعت بصحبته وشهدت جمال وجهه ، فقال رضي الله عنه: هيهات هيهات ، قد مات النبي صلى الله عليه وسلم وما استطعت أن أنظر إليه وأثبت بصري في وجهه حياءاً منه


وكان صلى الله عليه وسلم كما رُوي عنه يُضرب به المثل في الحياء ، فكان يُقال في شأنه: {كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا}{1}


أي كالبنت البكر في سترها وحرصها على أن لا يطلع أحد على أي شأن من شئونها وكان حياءه من الله عظيماً ، لقد كان صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يرفع نظره إلى السماء ، إن كان في مشيه أو في جلوسه أو في صلاة حياءاً من الله جل وعلا


وكان في حديثه مع الخلق كما رُوي عن حضرته لا يستطيع أن يُثبت بصره في وجه مُحدثه وهو يُحدثه من شدة أدبه وحياءه صلوات ربي وتسليماته عليه ، وقد قال له الصديق الأعظم سيدنا أبو بكر رضي الله عنه متعجباً من هذه الأحوال العالية: يا رسول الله لقد طفت العرب وذهبت إلى الفرس وذهبت إلى الروم فلم أر مثل أدبك ، فمَن الذي أدبك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: {أدَّبَنِي رَبِّي فأَحْسَن تَأدِيِبي}{2}


ولذا نجد أن من كان يصف رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في كتب الصحاح نفر قليل من الصحابة المباركين ، ونحن نعلم أن صحابة النبي عندما ارتقى إلى الرفيق الأعلى مائة وأربعة وعشرون ألف صحابي ، لم يستطع أن ينعته أو يصفه منهم إلا حوالي خمسة عشر صحابي فقط والباقي لم يقو على ذلك ولم يستطع ذلك


حتى قال الإمام القرطبي رضي الله عنه في كتاب الصلاة: "لم يُظهر الله لنا تمام حُسن حبيبه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما طاقت أعيننا رؤيته صلى الله عليه وسلم" فقد خلقه الله تعالى على أتم الصور الإلهية من قبل القبل إلى نهاية النهايات ، حتى قال الإمام البوصيري رضي الله عنه:


فهو الذي تم معناه وصورته ثم اصطفاه حبيباً باريء النسم
فاق النبيين في خَلقٍ وفي خُلُقٍ فلم يدانوه في علم ولا كرم



وسيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه وقف يخاطبه فقال:


وأجمل منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء
خُلقت مبرءاً من كل عيب كأنك قد خُلقت كما تشاء



وقال صاحب المواهب: "اعلم أن من تمام الإيمان به صلى الله عليه وسلم الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا يظهر بعده خلق آدمي مثله"


فإذا كان الله قال لنا وفينا أجمعين: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} التغابن3


فإن أكمل صورة كمَّلها الله وجمَّلها الله وصوَّرها الله وسوَّاها الله من البدء إلى نهاية النهايات هي صورة سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وأُقرِّب لكم الحقيقة ، سيدنا يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم {أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الْحُسَنِ}{3}


أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أُعطي الحُسن كله ، فالذي أُعطي شطر الحسن عندما هامت به امرأة العزيز وعلمت أن نساء الوجهاء يتحدثن عنها ويخضن في عرضها جمعتهن في بيتها وأحضرت لكل واحدة منهن طبقاً ووضعت فيه تفاحاً وسكيناً تُقطع بها التفاح وتأكله ، وبعد أن وزعت عليهن الأطباق والسكاكين والتفاح وبدأن يُقطعن أذنت ليوسف أن يدخل عليهن ، اسمع لوصف الله لهذا المشهد العجيب الغريب:


{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} يوسف31


إذا كان النسوة لما رأين جمال يوسف قطعن أيديهن ولم يشعرن وسال الدم منهن ولم يلاحظن ذلك ، ويوسف أُعطي شطر الحسن ، فما بالك بصاحب الحُسن كله وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟


وربما يسأل سائل: ولِمَ لَم يحدث ذلك لمن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟


فنقول: كان يوسف ظاهراً بالجمال الصرف ولذلك حدث ماحدث للنسوة اللاتي رأينه ، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان جماله مشوب بجلال ، ولذلك قيل في وصفه: "من رآه بديهة هابه" فكانت شدة هيبته تمنع الناظر إليه من التثبت في رؤيته


لم يستطع أن يصفه إلا قلة قليلة ، بعضهم وصف شذرات من حلية حضرته ، والذي وصف هيئته كلها ثلاثة نفر ، الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأم معبد التي نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في خيمتها عند هجرته عندما وصفته لزوجها ، وهند ابن أبي هالة ابن السيدة خديجة رضي الله عنها



{1} البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري {2} أخرجه السمعاني في أدب الاملاء {3} مسند أحمد والحاكم عن أنس
[/frame]